العيني
192
عمدة القاري
في الجملة أن الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلة واختيار ، وإنما خلقهم لها خلق تكليف واختبار . فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها ، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق له كقوله صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، وفي نفس الأمر : هذا سر لا يطلع عليه غير الله تعالى ، وقال : * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * ( الأنبياء : 32 ) قوله : ( وليس فيه حجة لأهل القدر ) ، أي : المعتزلة وهم احتجوا بها على أن إرادة الله تعالى لا تتعلق إلاَّ بالخير ، وأما الشر فليس مرادا له ، وأجاب أهل السنة بأنه لا يلزم من كون الشيء معللاً بشيء أن يكون ذلك الشيء أي : العلة مرادا ولا يلزم أن يكون غيره مرادا . قالوا : أفعال الله لا بد أن تكون معللة أجيب : بأنه لا يلزم من وقوع التعليل وجوبه ، ونحن نقول : بجواز التعليل قالوا : أفعال العباد مخلوقة لهم لإسناد العبادة إليهم أجيب بأنه لا حجة لهم فيه لأن الإسناد من جهة الكسب وكون العبد محلاً لها . وَالذَّنُوبُ : الدَّلْوُ العَظِيمُ أشار به إلى قوله تعالى : * ( فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ) * ( الذاريات : 95 ) وهذا التفسير الذي فسره من حيث اللغة فإن الذنوب في اللغة : الدلو العظيم ، المملوء ماء وأهل التفسير اختلفوا فعن مجاهد : سبيلاً ، وعن النخعي ظرفا وعن قتادة وعطاء ، عذابا . وعن الحسن دولة ، وعن الكسائي : حظاً وعن الأخفش نصيبا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ذنُوبا سَجْلاً أي : قال مجاهد في تفسير ذنوبا سجلاً ، وهو المراد هنا ، وفي بعض النسخ وقع هذا بعد قوله : صرة صيحة ، وهو تخبيط من الناسخ ، والسجل ، بفتح السين المهملة وسكون الجيم وباللام . هو الدلو الممتلىء ماء . ثم استعمل في الخظ والنصيب . صَرَّةٍ صَيْحَةٍ أشار به إلى قوله تعالى : * ( وقالت عجوز عقيم ) * هي : سارة ، وكانت لم تلد قبل ذلك فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة ، وإبراهيم ، صلوات الله عليه ، يومئذ ابن مائة سنة . وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ : والحُبكَ اسْتوَاؤُها وَحُسْنُها أشار به إلى قوله تعالى : * ( والسماء ذات الحبك ) * ( الذاريات : 7 ) وفسر الحبك باستواء السماء وحسنها ، وكذا روى ابن أبي حاتم عن الأشج : حدثنا ابن فضيل أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد عن ابن عباس وقتادة والربيع : ذات الخلق الحسن المستوي ، وكذا قال عكرمة ، وقال : ألم تر إلى النساج نسج الثوب وأجاد نسجه . قيل : ما أحسن حبكه ؟ وعن الحسن : حبكت بالنجوم ، وعن سعيد بن جبير : ذات الزينة ، وعن مجاهد : هو المتقن البنيان ، وعن الضحاك : ذات الطرائق ولكنها تبعد عن الخلائق فلا يرونها . فِي غَمْرةٍ فِي ضَلالَتِهِمْ يَتَمَادَوْنَ أشار به إلى قوله تعالى : * ( قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون ) * ( الذاريات : 01 ، 11 ) وفسر الغمرة بالضلالة ، وقيل : الغمرة الشبهة والغفلة ، وفي بعض النسخ . في غمرة في ضلالة يتمادون يتطاولون . قوله : ( ساهون ) ، أي : لاهون . وَقَالَ غَيْرُهُ : تَوَاصوْا تَوَاطَؤُا أي : قال غير ابن عباس في قوله تعالى : * ( أتواصوا به بل هم قوم طاغون ) * ( الذاريات : 35 ) وفسر : ( تواصوا ) بقوله : ( تواطؤا ) وأخرجه ابن المنذر من طريق أبي عبيدة بقوله : تواطؤوا عليه . وأخرجه بعضهم عن بعض ، قال الثعلبي : أوصى بعضهم بعضا بالتكذيب وتواصوا عليه ، والألف فيه التوبيخ . وَقَالَ : مُسَوَّمَةً مُعَلَمَةً مِنَ السَّمَا أي : قال غير ابن عباس أيضا في قوله تعالى : * ( لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين ) * ( الذاريات : 33 ، 43 ) وفسر : ( مسومة ) بقوله : ( معلمة من السيما ) وهي من السومة وهي العلامة . قُتِلَ الخَرَّاصُونَ : لُعِنُوا أشار به إلى قوله تعالى : * ( قتل الخراصون ) * ( الذاريات : 01 ) أي : لعنوا ، ووقع هذا في بعض النسخ ، وعن ابن عباس : الخراصون المرتابون ،